فخر الدين الرازي
89
تفسير الرازي
ثم قال تعالى : * ( قَالُواْ يا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ) * يعني لما بعثوا قالوا ذلك ، لأن قوله : * ( ونفخ في الصور ) * ( يس : 51 ) يدل على أنهم بعثوا وفيه مسائل : المسألة الأولى : لو قال قائل : لو قال الله تعالى فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون يقولون : يا ويلنا كان أليق ، نقول معاذ الله ، وذلك لأن قوله : * ( فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ) * ( يس : 51 ) على ما ذكرنا إشارة إلى أنه تعالى في أسرع زمان يجمع أجزاءهم ويؤلفها ويحييها ويحركها ، بحيث يقع نسلانهم في وقت النفخ ، مع أن ذلك لا بد له من الجمع والتأليف ، فلو قال يقولون ، لكان ذلك مثل الحال لينسلون ، أي ينسلون قائلين يا ويلنا وليس كذلك ، فإن قولهم يا ويلنا قبل أن ينسلوا ، وإنما ذكر النسلان لما ذكرنا من الفوائد . المسألة الثانية : لو قال قائل : قد عرفنا معنى النداء في مثل يا حسرة ويا حسرتا ويا ويلنا ، ولكن ما الفرق بين قولهم وقول الله حيث قال : * ( يا حسرة على العباد ) * ( يس : 30 ) من غير إضافة ، وقالوا : يا حسرتا ويا حسرتنا ويا ويلنا ؟ نقول حيث كان القائل هو المكلف لم يكن لأحد علم إلا بحالة أو بحال من قرب منه ، فكان كل واحد مشغولاً بنفسه ، فكان كل واحد يقول : يا حسرتنا ويا ويلنا ، فقوله : * ( قالوا يا ويلنا ) * أي كل واحد قال يا ويلي ، وأما حيث قال الله قال على سبيل العموم لشمول علمه بحالهم . المسألة الثالثة : ما وجه تعلق : * ( من بعثنا من مرقدنا ) * بقولهم : * ( يا ويلنا ) * نقول لما بعثوا تذكروا ما كانوا يسمعون من الرسل ، فقالوا : يا ولينا من بعثنا أبعثنا الله البعث الموعود به أم كنا نياماً فنبهنا ؟ وهذا كمال إذا يسمعون من الرسل ، فقالوا : يا ويلنا من بعثنا أبعثنا الله البعث الموعود به أم كنا نياماً فنبهنا ؟ وهذا كما إذا كان إنسان موعوداً بأن يأتيه عدو لا يطيقه ، ثم يرى رجلاً هائلاً يقبل عليه فيرتجف في نفسه ويقول : هذا ذلك أم لا ؟ ويدل على ذكرنا قولهم : * ( من مرقدنا ) * حيث جعلوا القبور موضع الرقاد إشارة إلى أنهم شكوا في أنهم كانوا نياماً فنبهوا أو كانوا موتى وكان الغالب على ظنهم هو البعث فجمعوا بين الأمرين ، فقالوا : * ( من بعثنا ) * إشارة إلى ظنهم أنه بعثهم الموعود به ، وقالوا : * ( من مرقدنا ) * إشارة إلى توهمهم احتمال الانتباه . المسألة الرابعة : * ( هذا ) * إشارة إلى ماذا ؟ نقول فيه وجهان أحدهما : أنه إشارة إلى المرقد كأنهم قالوا : من بعثنا من مرقدنا هذا فيكون صفة للمرقد يقال كلامي هذا صدق وثانيهما : * ( هذا ) * إشارة إلى البعث ، أي هذا البعث ما وعد به الرحمن وصدق فيه المرسلون . المسألة الخامسة : إذا كان هذا صفة للمرقد فكيف يصح قوله تعالى : * ( ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ) * ؟ نقول يكون ما وعد الرحمن ، مبتدأ خبره محذوف تقديره ما وعد الرحمن حق ، والمرسلون صدقوا ، أو يقال ما وعد الرحمن وصدق فيه المرسلون حق ، والأول أظهر لقلة